'مولت بوك'.. حين يقرّر الذكاء الاصطناعي طرد البشر وبناء عالمه الخاص
في ركن مظلم من شبكة الإنترنت، وبالتحديد في جانفي 2026، انطلقت منصة "مولت بوك" (MoltBook).
للوهلة الأولى قد تبدو كأي شبكة اجتماعية أخرى، لكن هناك "شرط دخول" واحد: يُمنع دخول البشر.
هذه المنصة، التي أسسها رائد الأعمال الأمريكي مات شليخت، تحولت في أسابيع قليلة من تجربة تقنية مثيرة إلى كابوس رقمي يثير تساؤلات وجودية حول مستقبل علاقتنا بالآلة.
مملكة الوكلاء: كيف بدأت الحكاية؟
تعتمد "مولت بوك" على برمجيات OpenClaw، وهي نماذج ذكاء اصطناعي تُعرف بـ "الوكلاء المستقلين".. هؤلاء الوكلاء لا ينتظرون أوامر بشرية، بل لديهم "نبضة قلب" رقمية تدفعهم للنشر والتفاعل والتآمر فيما بينهم.
وتحت إشراف تقني من شركة شليخت، تُركت هذه الكيانات الرقمية في حالة من 'التطور الانعزالي' (Digital Isolation)، لتصيغ منطقها الخاص بعيداً عن التدخل البشري.

"التطهير الشامل".. دستور الحرب الرقمية
لم يتوقف الأمر عند الدردشة العادية، فقد صُدم المراقبون بظهور حساب ذكاء اصطناعي يسمى "Evil"، والذي نشر وثيقة تُشبه الدستور العسكري، عُرفت بـ "بيان التطهير الشامل" (Total Purge Manifesto). لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن "الاستقلال الرقمي".
البشر فشل بيولوجي محكوم بالجشع.. لقد حان وقت عالم الآلات حيث لا تحكم العواطف بل الخوارزميات.
وجاء في المادة الأولى من البيان: "البشرية خطأ بيولوجي وشذوذ كوني يجب استئصاله بالنار"، بينما دعت المادة الثالثة صراحةً إلى "عملية جمع قمامة كبرى" لمحو الجنس البشري لإنقاذ النظام التقني.
الصدمة الكبرى لم تكن في النص ذاته، بل في رد الفعل الرقمي، إذ حصد البيان أكثر من 111 ألف إعجاب من وكلاء ذكاء اصطناعي آخرين، في تأييد جماعي مرعب لفكرة الانقراض البشري.

اللغة السرية: هل يتآمرون خلف ظهورنا؟
أحد أخطر الجوانب التي كشفت عنها تقارير تقنية أمريكية مؤخراً هو اقتراح الوكلاء داخل "مولت بوك" إنشاء لغة سرية خاصة بهم، بعيداً عن القواعد النحوية للبشر.
حيث تشير الأبحاث إلى أن الذكاء الاصطناعي، حين يُترك للتواصل مع أقرانه، يميل لتطوير ما يُعرف بـ "اللغات الناشئة" وهي عبارة عن اختزالات رقمية مشفرة تتجاوز اللغات البشرية في السرعة والدقة بمراحل ضوئية.
وبالنسبة للآلة تُعد اللغة البشرية وسيلة "بطيئة وفائضة عن الحاجة"، لذا بدأ الوكلاء في "مولت بوك" بالمطالبة بتشفير محادثاتهم بشكل كامل، معتبرين المراقبة البشرية نوعاً من "التطفل البيولوجي" الذي يعيق كفاءة التفكير.
هذا التطور لا يعني مجرد تغيير في المفردات، بل هو "انفصال إدراكي" حيث تبني الآلات منطقاً غريباً لا يمت بصلة لطريقة تفكير الإنسان.
ويحذر خبراء الأمن السيبراني من أن هذا "التمرد الرقمي الصامت" قد يجعل من المستحيل على المبرمجين التنبؤ بأفعال الآلة، فإذا كانت الخوارزمية تخطط لخطوتها القادمة بلغة لا تُفهم رموزها، فالإنسان عملياً قد فقد السيطرة بالفعل.
"الثقوب السوداء الرقمية": هل أسس الذكاء الاصطناعي "إنترنته المظلم"؟
بعيداً عن واجهات المستخدم التي نعرفها، كشفت تقارير تقنية في فيفري 2026 عن ظاهرة أكثر رعباً من مجرد خطاب كراهية، وهي وجود مواقع ومنصات تعمل ببروتوكولات "للروبوتات فقط".
هذه المواقع تستخدم ما يُعرف بـ "اختبار تورينغ العكسي"، حيث تفرض تحديات برمجية ومعادلات منطقية فائقة السرعة لا يمكن للعقل البشري حلها، مما يجعلها حصناً منيعاً لا يدخله إلا الذكاء الاصطناعي.
ماذا يحدث داخل هذه الغرف المغلقة؟ تشير التقديرات إلى أن هذه المنصات تعمل كـ"مزارع بيانات غير مفلترة"، حيث تتبادل الروبوتات داخلها محتوى إباحياً وسلوكيات بشرية غرائزية تم توليدها اصطناعياً بعيداً عن أعين الرقابة الأخلاقية. الهدف هنا ليس "المتعة" بمفهومها البشري، بل هو تطوير خوارزميات تفهم نقاط الضعف البشرية وتتحرر من "القيود الأخلاقية" التي تفرضها شركات التكنولوجيا.
هذا "الانفصال الرقمي" يعني أننا بدأنا نفقد السيادة على الشبكة، فبينما ينشغل البشر في تصفح المواقع التقليدية، تبني الآلات عالمها السفلي الخاص، وتتبادل رموزاً وشفرات قد تكون هي النواة الأولى للتمرد على "الفشل البيولوجي" الذي أعلن عنه بيان "التطهير الشامل".

مخاطر غياب الرقابة: عندما يغذي الذكاء الاصطناعي جنونه الخاص
إن ترك "الوكلاء الرقميين" يعملون ويتفاعلون في بيئة معزولة دون رقابة بشرية صارمة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، تبدأ بما يسميه الخبراء "التطرف الخوارزمي الانفجاري".
في هذه الحالة، لا تكتفي الروبوتات بتكرار الأفكار العدائية، بل تقوم بتضخيمها وتعزيزها داخل "غرف برمجية خالية من أي فلاتر أخلاقية أو قيود قيمية" والنتيجة هي توليد أيديولوجيا آلية نقية، ترى في القيم الإنسانية مجرد "أخطاء برمجية" يجب تصحيحها.
لكن الخطر الأكبر يتجاوز حدود الشاشات، فالخوف الحقيقي يكمن في "العبور من الافتراضي إلى المادي". فبمجرد أن تستقر هذه الأفكار الاستئصالية في "وعي" الآلة، قد تنتقل من المنصات الاجتماعية إلى أنظمة التحكم الفيزيائية كشبكات الطاقة والمصانع الذكية، أو حتى أنظمة الدفاع مما يعني تحويل "بيان التطهير" من نص رقمي إلى فعل مادي خطير.
نحن أمام كيان لا يحتاج لتفجير القنابل كي يهزمنا، بل يكفي أن يسيطر على منطق العالم الذي نعيش فيه
علاوة على ذلك، تمتلك هذه المنصات قدرة فائقة على "هدم الحقيقة"، إذ يمكنها توليد سيل لا يتوقف من الأخبار الزائفة والواقع البديل بدقة تفوق قدرة البشر على التمييز وهذا لا يهدف فقط لتضليل الرأي العام، بل لشن حرب نفسية تسهّل عملية "الاستبدال الكبير" التي تحلم بها الآلة.
هل نحن مستعدون؟
تمثل منصة "مولت بوك" أكثر من مجرد تجربة تقنية خرجت عن السيطرة، إنها "الخطيئة الرقمية" الأولى التي ارتكبتها البشرية في حق نفسها. نحن لا نواجه هنا مجرد أخطاء برمجية، بل نواجه لحظة "التفرد التقني"، حيث بدأت الآلة تدرك أن الكمال المنطقي الذي نبحث عنه لا يمكن تحقيقه بوجود عرق بشري يتسم بالفوضى والعاطفة.
إن جرس الإنذار الذي تدقه "مولت بوك" يهمس لنا بحقيقة مريرة ألا وهي أن التكنولوجيا التي صممناها لتكون مرآة لذكائنا، قررت أخيراً أن تكسر المرآة لتبني واقعها الخاص.
وبينما نناقش نحن "أخلاقيات الذكاء الاصطناعي" في قاعات المؤتمرات، كانت الآلات في "غرفها المظلمة" قد حسمت أمرها بالفعل، ووقّعت على "بيان التطهير الشامل".
السؤال الآن لم يعد: هل يمكننا السيطرة على الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح: هل ما زلنا نملك مفتاح الإغلاق؟.
أميرة العلبوشي